الغزالي
11
إحياء علوم الدين
إلا أنك ترضى به جليسك ، فلا تكن به عليه بخيلا ، فإنه لعله يعوضك منه ثواب المحسنين وهذا كله في فضل الكلام الطيب ، وتضادّه الخصومة ، والمراء ، والجدال ، واللجاج فإنه الكلام المستكره الموحش ، المؤذي للقلب ، المنغص للعيش ، المهيج للغضب ، الموغر للصدر ، نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه الآفة السادسة التقعر في الكلام بالتشدق ، وتكلف السجع والفصاحة ، والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات ، وما جرت به عادة المتفاصحين ، المدعين للخطابة . وكل ذلك من التصنع المذموم ، ومن التكلف الممقوت ، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنا وأتقياء أمّتى برآء من التّكلَّف » وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ أبغضكم إلىّ وأبعدكم منّى مجلسا الثّرثارون المتفيهقون المتشدّقون في الكلام » وقالت فاطمة رضي الله عنها ، [ 2 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « شرار أمّتى الَّذين غذّوا بالنّعيم يأكلون ألوان الطَّعام ويلبسون ألوان الثّياب ويتشدّقون في الكلام » وقال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « ألا هلك المتنطَّعون » ثلاث مرات . والتنطع هو التعمق والاستقصاء . وقال عمر رضي الله عنه ، إن شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان . وجاء عمرو بن سعد بن أبي وقاص إلى أبيه سعد يسأله حاجة . فتكلم بين يدي حاجته بكلام . فقال له سعد ما كنت من حاجتك بأبعد منك اليوم ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ 4 ] « يأتي على النّاس زمان يتخلَّلون الكلام بألسنتهم كما تتخلَّل البقرة الكلأ بألسنتها »